المصريون القدماء أول من قدسوا الحق، والعدالة، واحترام القانون، ورمزوا إلى كل ذلك بمعبودة تسمى "ماعت" والتى تعنى الصدق والعدل،العدالة فى مصر القديمة كانت تتمتع بمفهوم الحق والحقيقة، وكان جزءا لا يتجزأ من جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية.
خلق الآلهة مصر. ووضعوا العدالة بين الناس على الأرض. وحكم الملوك وفقًا وتطبيقًا للعدالة؛ لذا كانت العدالة مهمة جدًا فى مصر القديمه.
وكان الملوك المصريين مسئولين عن جميع الأمور القانونية فى مصر. وكانوا يصدرون المراسيم ذات الطابع القضائى. وكان الوزير يعمل تحت إمرة الملك مباشرة كيده اليمنى. ووضع الوزير على رأس الإدارة القوية فى مصر الفرعونية، وكان مسئولا عن النظام القضائى للدولة، وفوض
والوزير مسئولياتهم القضائية والإدارية إلى المسئولين المحليين.
كان المصرى القديم يعتبر قرارات المحكمة من المقدسات.,لقد كان يؤمن المصريين القدماء بمعاقبة الخارجين على القانون، وتقديم أيضا المساعدة لمن تضرر من الأفعال المشينة.
ومنذ عصر الدولة القديمة، كانت مصر تدار من قبل مجموعة من الموظفين المتعلمين وهم الكتبة الذين اجتازوا المهمة الشاقة المتمثلة فى تعلم القراءة والكتابة. وكان لطبقة الكتابة دور أساسى فى ازدهار مصر وتطورها. وتطور القانون المصرى ببطء شديد. وكانت القوانين تظل سارية المفعول لفترات طويلة للغاية.
لا نستطيع أن نعرف الطريقة التى كان يمارس بها القانون على أرض الواقع، فلم يتم العثور على أى مثال للقانون المصرى مقنن قبل عام 700 قبل الميلاد، ولكن يمكننا أن نعرف القانون المصرى القديم عبر سبل أخرى مثل سجلات المحكمة والعقود والوصايا، إلى جانب المرسم الملكية، والتى تقدم معلومات حول الحياة اليومية التى ساعتدتنا لمعرف القانون المصرى القديم.
وهذه للأسف لم تصل إلينا بأعداد كبيرة. ولحسن الحظ، يوجد استثناء واحد لهذا الأمر جاء إلينا من منطقة دير المدينة الخاصة بمجتمع العمال فى عصر الدولة الحديثة. وعلى مدار قرون عدة، أنتج سكان مجتمع العمال بدير المدينة عشرات الوثائق التى تم أرشفتها. وتمتد السجلات التى خلفها هؤلاء الناس على مدار عصر الدولة الحديثة فى مصر الفرعونية. وتقدم تلك النصوص معلومات مهمة عن الحياة اليومية عن أولئك العمال. وساهمت بشكل كبير فى معرفتنا بالنظام القضائى المصرى القديم
عقوبة القتل
نظر المصري القديم إلى حياته باحترام وقدسية جعلته يشدد عقوبة القتل حفاظا على عدم انتهاك حرمتها، لكنه فرق في العقوبة بين "القتل العمد" و"القتل الخطأ".
في دراسة متخصصة بعنوان " الجريمة والعقاب في مصر القديمة" ضمن دراسات وزارة الآثار المصرية، إن عقوبة الإعدام كانت جزاء من ارتكب القتل العمد، الذي يتوفر فيها القصد الجنائي بالمفهوم المعاصر، بصرف النظر عن المكانة الاجتماعية للجاني والمجني عليه، كما لجأ المصري في حالات معينة إلى توقيع عقوبات نفسية اعتبرها أشد وطأة من الإعدام.
فكان الابن الذي يقتل أحد أبويه يتعرض لتعذيب قبل إعدامه حرقا على الأشواك، أما في حالة قتل أحد الآباء ابنه أو ابنته، فلم يكن الجزاء عقوبة الإعدام، بل أشار (المؤرخ اليوناني) ديودور الصقلي إلى عقوبة نفسية تمثلت في إجبار القاتل، الأب أو الأم، على احتضان جثة الابن أو الابنة وربطهما معا ثلاثة أيام (حتى تبدأ في التحلل) وسط حراسة.
ويشير العالم الفرنسي فرانسوا دوما في دراسته "حضارة مصر الفرعونية" إلى أن عقوبة الإعدام "كانت تعني أحيانا أن يُلقى بالمذنب فريسة للتماسيح، ومن المؤكد أن الخازوق استخدم مع جرائم لصوص المقابر، كما أن الانتحار كان على ما يبدو منّة تُمنح للمحكوم عليهم بالإعدام من علية القوم".
واعتبر المصري التهديد بالقتل جريمة بحسب نص في بردية "سالت" يقول:"اتهام بخصوص قوله لرئيس العمال (حاي) أنا سوف أهجم عليك في الصحراء وأقتلك".
وإن كان النص لم يشر إلى عقوبة، إلا أن بعض الباحثين يميلون إلى الاعتقاد بأن القانون ربما اكتفى بتوجيه إنذار.
بيد أن العقوبة اختلفت في حالة ثبوت القتل الخطأ، ولم تكن الإعدام، وإن لم تتفق النصوص على عقوبة محددة، فإن نصا يعود إلى عصر الدولة القديمة، نقلا عن "الجريمة والعقاب في مصر القديمة"، يقول إن كل من يقتل شخصا بالخطأ :
"لم يكن يستطع أن يدخل منزله قبل أن يتطهر من الإثم الذي ارتكبه ويقدم قربانا عند مقبرة القتيل"، في إشارة ربما إلى تصالح مبرم بين أسرتي الجاني والمجني عليه، ودفع تعويض مناسب.
ولم يغفل المصري عقوبة التستر على جريمة قتل، أو عدم الإدلاء بمعلومات تفيد احتمال ارتكابها لمنع وقوعها، واعتُبر كل من امتنع عن الإبلاغ شريكا في الجريمة ويعاقب بنفس عقوبة الجاني، كما ورد في نص بردية تورينو القضائية:
"هو سمع ولم يبلغ، ومَثُل أمام القضاة للتحقق ووجدوه مذنبا، وتركوه في مكانه وقتل نفسه بنفسه".
أما من قتل حيوانا له صفة دينية رمزية، فقد اعتدى على طبيعة مقدسة، يستحق الإعدام في حالة ثبوت تعمده ذلك، أو الغرامة في حالة القتل الخطأ.
جريمة الزنا
حرص المصري على عدم ارتكاب الزنا واعتبره جريمة دينية يتبرأ منها المتوفى في اعترافاته الإنكارية أمام مجمع الآلهة في العالم الآخر كما ورد في نص بردية "الخروج في النهار" المعروفة اصطلاحا باسم "كتاب الموتى" : "أنا لم ارتكب الزنا" و " أنا لم أرتكب الزنا مع امرأة متزوجة".
تصدى المصري بحزم لهذه الجريمة وجعل عقوبتها تصل إلى حد الإعدام منعا للانفلات الأخلاقي في المجتمع، ويوصي الوزير بتاح-حتب في تعاليمه ابنه بعدم الافتتان بالمرأة، نقلا عن الفرنسية كلير لالويت في دراستها "نصوص مقدسة ونصوص دنيوية من مصر القديمة" :
"إذا أردت أن تحافظ على الصداقة في بيت تدخله سيدا أو صاحبا أو أي مكان تدخل إليه، فاحذر الاقتراب من النساء، فإن المكان الذي هن فيه ليس بالحسن، من أجل هذا يذهب ألف (رجل) إلى الهلاك والموت يأتي في النهاية".
كما ورد في تعاليم الحكيم آني، من عصر الدولة الحديثة، ما يتعلق بالزنا مع امرأة متزوجة، ووصفه بالخطيئة الكبرى التي تستحق الموت:
"إن المرأة التي غاب عنها زوجها تقول لك كل يوم إني حسناء وليس هناك من يشهدها وهي تحاول الإيقاع بك في فخها، إنها خطيئة كبرى تستحق الموت إن لم يحُتفظ بها سرا، لأن الإنسان يسهل عليه بعد ارتكاب تلك الخطيئة أن يرتكب أي ذنب".
وتحدثت النصوص المصرية، بحسب "الجريمة والعقاب في مصر القديمة"، عن عقوبة المرأة الزانية إن كانت متزوجة، كحق شرعي في يد الزوج، له حق العقاب أو الصفح عن الزوجة وشريكها، كما له حرية رفع الأمر إلى المحكمة، عند الشك في سلوك الزوجة دون دليل، فتتولى المحكمة القضية.
كما أشارت نصوص إلى عقاب المرأة على يد أسرتها، باعتبارها جريمة شرف مست سمعتها، كما ورد في نص بردية "شستر باتي"، من عهد الملك رعمسيس الخامس، أن أسرة المرأة كانت تُستدعى في حالة ثبوت الجريمة وتواجه المرأة وكان أفرادها "يلقون بها في النهر ليفترسها تمساح".
ويُلاحظ أن عقوبة الرجل كانت أخف مقارنة بعقوبة المرأة في نفس الجريمة، لاعتقاد المصري أن الجُرم يقع في المقام الأول على سماح المرأة بذلك، لذا كان يعاقب الرجل بضربه ألف ضربة.
سرقة الأفراد
كانت عقوبة من يسرق ممتلكات أفراد هي دفع غرامة تصل إلى الضعفين أو ثلاثة أضعاف الشيء المسروق، وهي عقوبة تغاير عقوبة سرقة ممتلكات الدولة التي وصلت إلى حد دفع السارق غرامة تصل إلى 180 ضعفا.
وكان المتهم يتعهد بإعادة المسروقات بعد اعترافه، ويخضع لعقوبة الضرب مئة ضربة باليد، وإجباره على حلف يمين لا يحنثه، وإلا يُلقى في النهر للتماسيح، وكانت العقوبة تُنفذ في مشهد عام أمام الناس.
جريمة الرشوة
تصدى المصري لجرائم العمل الإداري في الدولة، وعلى رأسها الرشوة، التي لم تسلم منها الهيئات القضائية، وكانت عقوبتها العزل من المنصب، وإنزال الشخص إلى درجة عامل زراعة.
ويشير نص إلى صرخة أحد الفقراء، وهو يدعو الإله آمون طالبا العون وشاكيا إليه مما تطلبه منه المحكمة من ذهب وفضة، أوردته دراسة "الجريمة والعقاب في مصر القديمة":
"فلتسمع يا آمون بأذنك عبدا ضعيفا في المحكمة، هو فقير ليس غنيا طالبته المحكمة بفضة وذهب لكتبتها، وبملابس لخدمها، فلتفعل شيئا يا آمون".
ويبدو أن الرشوة كانت تلعب دورا خطيرا في سير العملية القضائية، إذ نرى أنه بسببها وافق أحد الكتبة بالمحكمة على سرقة ملف يثبت إدانة أحد المتهمين من أرشيف السجلات وفقا للنص:
"وأعطي بانب شيئا للكاتب قن-حر-خبش-ف وأخذه (أي ملف القضية) للخارج"
وذكر أحد المتهمين ويدعى "با-ن-نفر" في تحقيق خاص بسرقة مقابر الملوك في عهد رعمسيس التاسع، أنه قُبض عليه واحتُجز ولكنه بعد أن دفع رشوة أُطلق سراحه كما في نص أوردته دراسة "الجريمة والعقاب في مصر القديمة":
"قبضوا عليّ واحتجزوني في مكتب عمدة طيبة، أنا أخذت 20 (قطعة) من الذهب، وهو نصيبي، وأعطيتهم إلى الكاتب خع-إم-إيدت الخاص بميناء المدينة، هو أفرج عني".
الخيانة العظمى
اعتبر المصري القديم جريمة الخيانة العظمى للدولة والملك أبشع الجرائم، ولم يحدد لها عقوبة سوى الإعدام، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي للمتهم، لاسيما وإن كان غالبية المتهمين فيها هم من الحاشية المقربة من الملك، واعتُبر الخوض في شؤون الملك وإفشاء أسراره خيانة تستوجب الإعدام.
وأشارت نصوص إلى ارتكاب الجريمة، لاسيما تلك التي حدثت مع الملك رعمسيس الثالث، عندما اختار وريثا لعرشه بطريقة أثارت غيرة إحدى زوجاته من الطبقة المتوسطة تدعى "تي"، ودبرت مؤامرة لاغتياله ليتولى ابنها "نيتاور" عرش البلاد.
استعانت الزوجة بموظفين من القصر ونسائهم، وعوقب المتآمرون، كما يرى باحثون، على يد رعمسيس الرابع، ابن الملك، الذي أصدر أوامر إلى هيئة المحكمة بمراعاة العدل والدقة، كما ورد في بردية تورينو "خذوا حذركم" وثبت بالدليل إدانة المتورطين بالخيانة كما ورد في النص : "حققوا معهم ووجدوهم مذنبين".
ونظرا لبشاعة الجُرم بحق الدولة والملك، أُمر بعدم دفن المذنب في مقبرة، لحرمانه من الحياة في العالم الآخر، كما ورد في نص يعود إلى عصر الدولة الوسطى :
"لا توجد مقبرة لمن يرتكب جريمة ضد جلالته، جثمانه سيلقى في النهر".التعليق
سرقة المقابر والمعابد
اعتبر المصريون سرقة المقابر جريمة كبرى، لاسيما إن كانت المقبرة لأحد الملوك أو كبار رجال الدولة، نظرا لأنها كانت تحتوي على مقتنيات ثمينة، وتفشت هذه الجريمة في فترات ضعف السلطة المركزية.
وتتحدث نصوص عن الوزير "حخمواست" حاكم مدينة طيبة وممثل السلطة الملكية، وكان يعمل تحت رئاسته مسؤولان عن المقابر هما "باسر الثالث"، عمدة طيبة الشرقية، و"بورعا" عمدة طيبة الغربية، وكانت عصابة من خمسة لصوص قد تسللت إلى داخل مقبرة رعمسيس السادس، واختلفوا على تقسيم الغنائم، وهدد أحدهم بإفشاء السر، بعد أن استولوا على مقتنيات المقبرة، لكن النصوص لم تشر إلى عقوبتهم.
بلغت عقوبة سرقة المقابر حد الإعدام، لاعتبارها جريمة موجهة ضد الدولة، و الثابت أيضا أن القانون خفف العقوبة إلى حد قطع اليدين أو الضرب 100 ضربة في حالة عدم ثبوت نبش جثة المتوفى.
وحارب المصريون سرقة المعابد بسن قوانين خاصة تحميها من أي اعتداء، ويتضح ذلك من قائمة عقوبات وردت في مرسوم الملك سيتي الأول، الأسرة 19، وطُبقت عقوبة الإعدام بالخازوق وجدع الأنف ودفع غرامة 100 ضعف.
كما أشار المرسوم إلى عقوبة إعدام من يسرق حيوانا تابعا للمعبد وينقله إلى طرف آخر، مع مصادرة ممتلكات السارق لصالح المعبد المسروق، أما سرقة حيوان دون نقله إلى طرف آخر، فكانت عقوبتها جدع الأنف، مع تسخير السارق وأسرته لخدمة المعبد المنتهكة حرمته.
وكانت عقوبة سرقة متاع خاص بالمعبد الضرب 100 ضربة، وغرامة 100 ضعف، من منطلق احترام كل ما يتعلق بالمعابد، سواء حيوانات أو متاع أو حتى موظفين وعاملين
وفرق المصري بين المسروقات التي تحمل صفة القداسة واعتبرها جريمة دينية تستوجب الإعدام، وتلك المسروقات التي لا تمس مقدسات فاكتفى معها بعقوبة الضرب وتغريم السارق 100 ضعف.
وحرص القانون على سرعة ضبط المتهمين بسرقة المعابد ومحاكمتهم، ونص على معاقبة القاضي الذي يتباطأ في سير الإجراءات ومعاقبته بـ 100 ضربة وعزله من منصبه وتحويله إلى وظيفة أقل، كما يشير النص:
"بخصوص عضو المحكمة في أي مدينة، والذي يتوجه إليه شخص تابع لبيت من ماعت-رع، يشكو إليه، ولا يلتفت إليه، ولا يسمع صوته لحل مشكلته سريعا، يطبق عليه القانون بضربه مئة ضربة وعزله من منصبه ويوضع كعامل زراعة".
استطاع المصري القديم في مختلف عصور تاريخه الطويل أن يكوّن فكرة واضحة عن بلده وحكومة عصره الذي يعيش فيه وعاداته وطرق تفكيره السائدة.
وتقول الفرنسية دومينيك فالبيل في دراسة مختصرة بعنوان "الناس والحياة في مصر القديمة" : "عبر المصري عن أفكاره من خلال كتابات ذات مستو أخلاقي رفيع اتسمت بفكر ثاقب جعلها قاب قوسين أو أدنى من الفكر الفلسفى.

تعليقات
إرسال تعليق